

..وما أدراك ! قطوفها دانية.
2025-03-22
Web Design
15 Comments
محمد تي اتش الدارمي
.
شهر رمضان هو شهر الصيام والقرآن، شهر العِتق والغفران، شهر تُفتح فيه أبواب الجنات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه السيئات، ويُنادي فيه منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار في هذا الشهر، وذلك كل ليلة.. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُبَشِّرُ أصحابه رضوان الله عليهم بقدومه لِمَا فيهِ مِنَ الفضائل والخيرات، فكان يقول: (أتاكم شهرُ رمضان، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطين، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن حاله في شهر رمضان كحاله في غيره من الشهور، فقد كان يومه وشهره مليئا بالطاعات، وذلك لعلمه بما لهذا الشهر من فضل خصه الله به، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من العبادات، فكان جبريل ـ عليه السلام - يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجـود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيـه الصدقة، والإحسان، وتلاوة القرآن والصلاة والذكر، والاعتكاف. وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص غيره به من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة.
لم هذه المساعي كلها ؟ ، إن هي إلا طلبا للمزيد من الثواب ومزيدا من الإقتراب منه تعالى. لأن رمضان كله رحمة يرحم به الله قلب الإنسان وقالبه ، يطهر فيه قلبه وينوره أكثر وأكثر. ينشط جسمه ويقويه أقوى وأقوى. ويعدل حياته أصوب وأصوب. حتى يبلغه إلى الإستقامة. استقامة لا اعوجاج معها. ولذالك تتأثر هذه الرحمة في أمواله وأملاكه وأولاده وأهاليه وفي كل ما يملكه. فيصير شهر رمضان موسم رحمة يرحم الله به الإنسان والأمة جميعا، يرفع هذا وذاك من الجهل إلى العلم، ومن التقصير إلى الطاعة، ومن الجفاء إلى القرب، ومن البعد إلى المحبة. فمن يريد أن يستغل هذه الفرصة الثمينة عليه أن يفهم ويرى أولا مظاهر رحمته تعالى في هذا الشهر. حتى ينتبه قلبه ويقوم خاطره لحيازة الفضائل ولإكتساب الأجور فوق كل ذالك إرضاء ربه.
من أوجه الرحمة في رمضان غفران ما تقدم من الذنب في هذا الشهر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه'. (متفق عليه). وهذه الخاصية ليس للصوم وحده ولكن لكل عمل له تأثير قوي في إزدياد الأجر كما قال صلى الله عليه وسلم في شأن قيام الليل: 'مَنْ قَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه'. (البخاري و مسلم). غفران الذنوب رحمة الهية عظيمة لا تعادلها أخرى لأن الذنب عصيان المرء لربه بتعمد. وما ارتكبه خطءا أم سهوا أو بدون وعي أو بدون علم به لا يعد عصيانا ولا ذنبا. فالإنسان الذي يعصي ربه يعصيه عنادا وظلما وبشاكلة عدم المبالات لما شرعه الله. فالعاصي لا يستأهل الغفران أصلا في جهة وفي جهة أخرى ليس لله أن يعفو عليه لأنه قد أوصل حكمه وشرعه وبلغ لأهل المعمورة كلهم في مساكنهم وفي زمانهم بإرسال الأنبياء والمرسلين وبإنزال الكتب. فإذا لم يغفر للعاصي لا يكون لأحد حق في أن يعترض عليه. فلذا يكون غفران الذنوب رحمة عظيمة بلا محالة.
ومن رحمة الله تبارك وتعالى بالعباد في هذا الشهرأن جعل الصيام وقاية وحماية للبدن وتطهيرا له مما فيه من سموم وأدواء تجمع فيه طوال سنة. تشير ﻧﺘﺎﺋﺞ اﻷﺑﺤﺎث ﺣﻮل ﺗﺄﺛﻴﺮات ﺻﻴﺎم ﺷﻬﺮ رﻣﻀﺎن اﻟﻤﺒﺎرك اﻹﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﺤﺔ واﻟﺘﻲ ﺗﺘﻀﻤﻦ ﻓﻘﺪان اﻟﻮزن اﻟﺰاﺋﺪ وﺗﺤﺴﻴﻦ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎت اﻟﻜﻮﻟﻴﺴﺘﺮول واﻟﻔﻮاﺋﺪ ﻟﻠﺠﻬﺎز اﻟﻤﻨﺎﻋﻲ. أثبتت دراسة أخيرة أن الصيام يؤثر على مستوى الدهون في الشبكة الجسدية للإنسان ويؤدي إلى انخفاض نسبة الكوليسترول في الدم. وهذا يقلل و ينقذ من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية وغيرها من الأمراض المتعبة والمعاصرة. وكذالك من الفوائد الصحية للصوم كبح الشهية. يمثل الصيام في شهر رمضان منعطفا مهماً وإيجابياً في حياة الصائم وصحة جهازه الهضمي. إذ أن اعتياد الجسم على تناول كميات أقل من الطعام، يمنح الجهاز الهضمي فرصة للاستراحة ويؤدي إلى تقلص حجم المعدة بشكل تدريجي والحد من الشهية. وهذه تساعد للتخلص من السموم طيلة الشهر وتتعدي إلى خارجه أيضا. لأن بدن الإنسان يستهلك كمية كبيرة من الدهون الراكدة وينظف الجسم من السموم الضارة منها التي تتواجد بطبعها في التراكمات الدهنية. وهكذا يبدأ الجسم بالتخلص من السموم بشكل طبيعي نتيجة التغير الذي يطرأ على عمل الجهاز الهضمي على مدار الشهر مما يتيح للصائم فرصة مواصلة اتباع أسلوب حياة صحي بعد رمضان.
وتحسين الصحة هذه لا ينحصر في الصحة المادية فقط لكنه يساعد في الصحة المعنوية للإنسان أيضا وذالك في تعزيز القوة النفسية وتحسين المزاج العقلية. كما أثبتت البحوث يعد الصيام وسيلة فعالة لإعادة شحن الدماغ وتعزيز نمو وتطور خلايا دماغية جديدة. كما تشير الدراسات إلى أن الصيام يجعل الدماغ أكثر قدرة على تحمل الإجهاد والتناسق مع التغيير الذاتي. لأن أكبر وأوفر التغيير الذي يحصل عليه الصائم هو الصبر على تحمل الشهوات الطبيعية. لأنه كما قال الرسول شهر الصبر. والصبر قوة فعالة لتعديل وتعادل الشهوات. ومنها أن الإنسان يقدر على أن يكسر شهوته التي كثيرا ما هي أبواب الشرور من طريق الصوم. لأن في الصوم إضعاف للشهوات التي تزداد مع الأكل والشرب وإطلاق النظر. فيأتي الصيام ليكسر هذه الشهوات، فيحفظ الإنسان جوارحه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى في حديث قدسي شريف: 'الصيام جُنَّة؛ يستجن بها العبد من النار، وهو لي، وأنا أجزي به'. (أحمد). قال المناوي: 'وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة، وحفظ الجوارح، وفي الآخرة من النار'. (فيض القدير للمناوي)
ومن الرحمة الرمضانية زيادة الأجور والثواب لكل عمل يقرب به العبد الى الله تعالى في هذا الشهر. كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل الذي القاه وهو يرحب الشهر الفضيل: 'من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن ادى فريضة في ما سواه ومن ادى فيه فريضة كان كمن ادى سبعين فريضة فيما سواه'. وهذه الزيادة زيادة على زيادة لانه تعالى يعطي لكل عمل عامل أكثر ما يستحق ويستأهل صاحبه بقدر لا نقدر أن نحصيها لأن ذلك يكون بالنظر الى الأحوال القلبية والأجواء التفاعلية للعبادة. فمهما يكون مخلصا في نيته وملتزما في أركانه ومهتما في سننه ومطمئنا طوال وقت مباشرته يحصل على مزيد من الأجر. وذلك في كل وقت من الأوقات. واما الزيادة التي نقولها تكون خاصة لرمضان. لأنه هناك تاثير الموسم الرمضاني ايضا فتزيد القبولية والأجور الى حد لا يقدر لأحد ان يضبطه. فضلا لما يضيف وينسب الله إليه هذا الشهر والصوم ويقول علنا أن الصوم له وهو يجزيه جزاء لم يفصح ولم يبد.
وزيادة على هذه كلها هناك أنواع من الرحمة الرمضانية وتلك معنوية تعين المؤمن على حصول القوة النفسية. وتبدأ بمشاعر المعنويات الجماعية التي لا بد منها لكل أمة. لأن الله تعالى فرض الصوم فرضا جماعيا يجب على كل واحد من الأمة. فلو أن الله تبارك وتعالى كلّف كل واحد منا بصيام ثلاثين يومًا وحده وقيام ثلاثين ليلة منفردًا عمن حوله، لوجد صعوبة كبيرة وكان في هذا العمل مشقة عظيمة. لأنه لا بد لعمل مثل هذا من تشكل جو لائق يعينه على فعله ببالغ الرضا. وهذا لا يكون إلا إذا تغيرت أجواء الأمة كلها إلى الرمضانية. فمن رحمة الله تبارك وتعالى بالأمة أن جعل الطاعة هذه جماعية تتأثر في كل ناحية من نواحي حياة الأمة المسلمة. ففي رمضان يصير الغالب على المجتمع حرصه على الصيام مع أعمال الطاعة والخير والبر والصدقة. فالمساجد تمتلئ وأعمال البر والصدقات يتسابق فيها المتسابقون ويقرؤون القرآن ويجلسون في المساجد معتكفين وطيب الأخلاق السمحة يفوه من كل جانب. مشاعر طيبة في أجواء جديدة. وهذه الجماعية لها أبعاد أخر أيضا ومنها ترقي قلوب المؤمنين إلى المسامحة والمساعدة والمعاونة. والإنسان إذا صام وذاق مرارة الجوع حصل عنده عطف ورحمة على الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم من القوت فيصدق عليهم ويحسن إليهم.
وحتى في توقيته الزمني للصوم أيضا نحس مشاعر رحمة الهية. لأنه شاءت إرادة الله سبحانه أن يجعل الشهر القمري رمضان محلاً للصيام. ولهذا الشهر علامته الكونية الكبيرة. القمر في بداية الشهر ونهايته يحمل في طياته عوامل الوضوح والثبات. فلا تستطيع حكومة أو جماعة معينة أن تُخفيه أو تحرّف المسلمين عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا ِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ'. (متفق عليه). واختيار السنة القمرية في التوقيت له فيها حِكَم عظيمة. فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بحوالي عشرة أيام كل سنة. فعلى هذا يتقدم شهر رمضان كل عام عنه في السنة الماضية بأيام. وعلى هذا ، ففي خلال ستة وثلاثين عاماً لا يبقى يوم من أيام السنة إلا وقد صامه المسلم، تشهد له الأيام هذه بصومه لربه. ولا يقدر لأحد أن يشتكي بأن رمضان قصير دائما أو طويل كذالك. أو أيام الصوم تجيئ دائما في البرد أو الحر.
ومع ذالك يتساوى المسلمون في كل أقطار الدنيا في مقدار الصيام وشدته.
ومن المشاعر المعنوية للصوم أنه يحرك ويشعل للإرادة النفسية في الإنسان. والإرادة النفسية تعلو وترفع في أيام الصوم. لأن الصوم يختلف عن سائر العبادات لأن المطلوب في سائر العبادات فعل أو إنشاء حركة معينة بنية مقرونه. وأما في الصوم فإنه ليس هناك فعل ليفعله ولكن المطلوب في الصوم هو الترك. ترك بعض من الأمور المباحة كالأكل والشرب والجماع. فلما نقارن بين الفعل والترك لوجدنا أن الترك أثقل من الفعل يحتاج إلى العزم و الاهتمام وهذا يحرك القوة الإرادية في قلبه. ولنيل هذا المعنى قال بعض العلماء خاصة الصيفية والربانيون منهم إنه لا يكفي أن يكتفي المؤمن بمجرد الإيمان والاعتقاد بل لابد من الإنقطاع عن ملذات الجسد انقطاعا حقيقيا. ونحن نعرف أن الصوم لا يكون صوما حقيقيا حتى يكون صاحبه معتقدا مومنا شاعرا بالمعنى المقصود والفائدة المرجوة. وأجر الصوم يجزل لما يكون عند الصائم وعي تام عن هذه المعنويات. فالصوم شرارة أو دفعة لتحريك الإنسان وتنبيه إلى ما خلق من أجلها. وكلما زادت قدرته على ضبط انفعالاته ونزواته وشهواته يكون الصوم صوما فعالا محركا للإرادة النفسية.
ومنها أيضا قوة الصوم في مواجهة الغضب النفسي. الغضب هو كيفية للنفس تحدث من حصول ما لا يلائمها. فتتربت عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله. ويلازمه الإعراض من المغضوب عليه. ومعاملته بالعنف وبقطع الإحسان وبالأذى. وقد يفضي ذلك إلى طلب الانتقام منه. فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار أسبابه. ولإخماد نار الغضب ليس هناك مادة كالصبر. شهر رمضان هو شهر الصبر. لأن الصائم يحبس نفسه طاعة لله تعالى عن الحرام. وعن مباحات تعود عليها خلال سنته. فإذا كان المسلم قد صبر قبل رمضان عن المعاصي. فهو اليوم يصبر عن المباحات أيضاً. فقد اكتمل الصبر عنده. لأن الصيام نصف الصبر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: 'والصوم نصف الصبر'. فالصائم يصبر على الجوع والعطش فيمسك عن الطعام والشراب من الفجر إلى الغروب. فيمتنع من الطعام وهو جائع ويمتنع من الشراب وهو يشعر بالعطش. يتعلم في ذلك كله خلق الصبر الجميل. قال تعالى: (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) (المعارج).
شهر رمضان بما فيه من نفحات ربانية ومضاعفة للأجور والحسنات ، يُعد فرصة ذهبية لكل من يريد التغيير سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الجماعة. وأنواع التغيير المنشود في هذا الشهر كثيرة. ويمكن لكل فرد أن يقرر ويحدد نوع التغيير الذي يريد. والتغيير الداخلي وإصلاح النفس وتزكيتها من الأمور التي دعانا إليها القرآن الكريم، يقول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد). فرمضان مدرسة تربوية يتدرب بها المسلم المؤمن على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه في كل شيء ، والتسليم لحكمه في كل شيء ، وتنفيذ أوامره وشريعته في كل شيء ، وترك ما يضره في دينه أو دنياه أو بدنه من كل شيء ، ليضبط جوارحه وأحاسيسه جميعاً عن كل ما لا ينبغي بتدربه الكامل في هذا الشهر المبارك ، ليحصل على تقوى الله في كل وقت وحين ، وفي أي حال ومكان ، وذلك إذا اجتهد على التحفظ في هذه المدرسة الرحمانية بمواصلة الليل مع النهار على ترك كل إثم وقبيح ، وضبط جوارحه كلها عما لا يجوز فعله. لينجح من هذه المدرسة حقاً ، ويخرج ظافراً من جهاده لنفسه ، موفراً مواهبه الإنسانية وطاقاته المادية والمعنوية لجهاد أعدائه.
0
0 Comments
No comments yet.
Leave a Comment
© www.thdarimi.in. All Rights Reserved. Designed by zainso